الصالحي الشامي
365
سبل الهدى والرشاد
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لم يوص لم يؤذن له في الكلام مع الموتى قيل : يا رسول الله ، وهل نكلم الموتى ؟ قال : ( نعم ) . قال السبكي : حياة الأنبياء والشهداء في القبر كحياتهم في الدنيا ويشهد له صلاة موسى في قبره ، فإن الصلاة تستدعي جسدا جيدا ، وكذلك الصفات المذكورة في الأنبياء ليلة الإسراء كلهم صفات الأجسام ولا يلزم من كونها حياة حقيقية أن تكون الأبدان معها كما كانت في الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب ، وأما الحركات كالعلم والسماع فلا شك أن ذلك ثابت لهم ولسائر الموتى ، وأما العقل ، فلأن الحبس عن النطق في بعض الأوقات فيه نوع حصر وتعذيب ، ولهذا عذب به تارك الوصية والنبي - صلى الله عليه وسلم - منزه عن ذلك ، ولا يلحقه بعد وفاته حصر أصلا بوجه من الوجوه كما قال لفاطمة - رضي الله تعالى عنها - : في مرض وفاته ( لا كرب على أبيك بعد اليوم ) وإذا كان الشهداء وسائر المؤمنين من أمته إلا من استثنى من المعذبين لا يحصرون بالمنع من النطق فكيف به - صلى الله عليه وسلم - . فائدة : لفظ : الحديث الذي سقناه لفظ البيهقي . ولفظ : أبي داود ( إلا رد الله علي ) . قال الشيخ : ورواية البيهقي ألطف وأنسب ، فإن بين التعديتين فرقا لطيفا فإن رد يعدى ب ( على ) في الإهانة وبإلى في الإكرام . قال في ( الصحاح ) : رد عليه الشئ إذا لم يقبله ، وكذا إذا خطأه وتقول : رده إلى منزله ورد إليه جوابا أي رجع . وقال الراغب : من الأول قوله تعالى : ( يردكم على أعقابكم ) [ آل عمران : 149 ] ( ونرد على أعقابنا ) [ الأنعام : 71 ] ومن الثاني : ( فرددناه إلى أمه ) [ القصص : 13 ] ( ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا ) [ الكهف : 36 ] ، ( ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ) [ التوبة : 94 ] ( ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ) [ الأنعام : 62 ] . وذكر الشيخ - رحمه الله تعالى - أجوبة كثيرا فليراجعها من أرادها من فتاويه . قلت : وأقوى الأجوبة الأول ونكتته الثالث والرابع . الثالث : لا يقال : لو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حيا في قبره دائما لزم كونه محصورا في القبر أو مسجونا فيه لأنا نقول : قد ورد أن المؤمن يفسح له في قبره كمد البصر فكيف بالنبي - صلى الله عليه وسلم - . الرابع : إن قيل : فإذا كانوا أحياء قد أحياهم الله تعالى بعد موتهم فيلزم من ذلك أنهم